تاريخ الطيران في البحرين

بحكم موقعها الجغرافي وثراء تاريخها، لطالما كانت مملكة البحرين بوابة الخليج ونقطة عبور مهمة تصل الشرق بالغرب. ولعبت الخدمات الجوية، والتي بدأت عملياتها في مطلع عقد الثلاثينات، دوراً مهماً في تحفيز التطور الذي شهدته البنية التحتية والاقتصاد البحريني.

فقد وصلت أول رحلة تجارية منتظمة إلى البحرين في أكتوبر 1932 خلال رحلتها من لندن إلى دلهي. وكانت الطائرة تحمل على متنها 24 راكباً فقط، واستغرقت الرحلة عدة أيام للوصول إلى البحرين بسبب الوقوف المتكرر للتزود بالوقود، وإقامة الركاب في الفنادق خلال الليل. ومع بدء خدمات الرحلات التجارية المنتظمة إلى البحرين، توطدت سمعة البحرين باعتبارها المطار الدولي الأول في منطقة الخليج العربي.

وقبل بدء تشغيل الرحلات التجارية المنتظمة، قامت الخطوط الجوية الامبراطورية البريطانية، المعروفة حالياً بالخطوط الجوية البريطانية، بتسيير عدة رحلات عرضية إلى منطقة الخليج العربي في أواخر العشرينات. وطبقا للسجلات، فإن الخطوط الجوية الإمبراطورية البريطانية هي الشركة الأولى التي قامت بتسيير رحلات إلى البحرين في أغسطس 1927 عندما أجر أحد تجار اللؤلؤ في البحرين طائرة من بغداد إلى البحرين، وقد تعين على هذه الرحلة القصيرة نسبيا التوقف ليلة واحدة في البصرة.

أصبحت الطائرة من نوع "هاندلي بيدج اتش بي 42" هي الطائرة المخصصة للمسافات الطويلة نسبياً للخطوط الجوية الإمبراطورية البريطانية. وكانت تستخدم للرحلات بين المملكة المتحدة والهند بعد أن أطلقت الشركة خدمات الرحلات المنتظمة عبر البصرة في العراق والبحرين والشارقة الإمارات العربية المتحدة والكويت كنقاط ترانزيت اختيارية. وفي العام 1936، تم تسيير الرحلات إلى البحرين أسبوعيا.

وفي عام 1937، تم بناء مبنى للركاب عُرف باسم "مطار البحرين المائي"، لاستيعاب الزيادة المضطردة في الرحلات الطويلة للطائرات المائية. وقد شهدت البحرين بدء تسيير الرحلات المنتظمة عن طريق الطائرات المائية القصيرة لشركة الخطوط الجوية الامبراطورية البريطانية الشهيرة. وكان المهبط المائي لهذه الطائرات العملاقة يقع في المنطقة الممتدة من النادي البحري - الواقع على الساحل الشمالي للبحرين - إلى ميناء سلمان.

وقد استمر تسيير هذه الرحلات عن طريق البحرين إلى مطلع الخمسينات، وبلغت ذروتها مع رحلات شركة الطيران الإمبراطورية البريطانية عبر الطائرات المائية إلى كل من كراتشي، وسنغافورة وهونج كونج، إضافة إلى ثلاث رحلات أسبوعية إلى مدينة سيدني الأسترالية.

وفي الخمسينات من القرن الماضي، توجهت أنظار شركة الطيران الإمبراطورية البريطانية للعودة إلى الأشكال الأكثر تقليدية في النقل الجوي بدلاً من الطائرات المائية، وذلك لاستيعاب عدد أكبر من المسافرين. ومن هنا بدأت عودة طائرات الركاب التجارية للعمل من مطار المحرق. وقد استخدمت الشركة طائرة آرغونتس (Argonauts) ذات الأربع محركات لتسير الرحلات عبر البحرين، والتي كان باستطاعتها أن تحمل ما يقارب من 60 راكباً. ونتيجة للطلب المتزايد على خدمات الشركة عبر مطار البحرين آنذاك، سيرت الشركة 3 رحلات منتظمة في الأسبوع بين أوروبا والبحرين.

وأصبح العام 1950 من أهم الأعوام في تاريخ مطار البحرين الدولي وتاريخ الطيران التجاري المنتظم في البحرين، حيث تم تأسيس شركة" جلف أفييشن"، والتي تُعرف حالياً بشركة طيران الخليج.

فقد اشترت شركة "جلف أفييشن" طائرة واحدة مستخدمة من نوع "أنسون مارك 2"، التي استخدمت مبدئيا لتسيير رحلات الشركة إلى مدينة الظهران بالمملكة العربية السعودية . وفي غضون سنتين، تم زيادة عدد أسطول الشركة إلى أربع طائرات من طراز "دي هافيلاند،" وأربع طائرات من طراز "دي سي 3 " لمواكبة النمو المتزايد التي شهدته رحلات الشركة بمنطقة الخليج في ذلك الوقت.

تمكنت البحرين خلال تلك الحقبة من ترسيخ مكانتها كمركز دولي للطيران، حيث كانت تملك في ذلك الوقت أحدث المطارات وأكثرها تقدما في منطقة الخليج. هذا فضلا عن تمتع المطار ببنية تحتية متينة تمثلت في مدرج هبوط وبرج للمراقبة الجوية ووسائل الاتصال والإنارة فضلا عن مطاعم للمسافرين وغيرها من الخدمات. وبدأ المطار في اجتذاب شركات الطيران الإقليمية والعالمية مثل شركة طيران الشرق الأوسط وخطوط الطيران الهندية وطيران سيلان وخطوط إيران الجوية، وكانت أغلبها تشغل رحلاتها باستخدام طائرات "داكوتاس".

في عام 1954، تم تأكيد مكانة البحرين كمركز إقليمي للطيران، حيث تم رسميا تدشين مركز معلومات الطيران الإقليمي في البحرين لتقديم خدمات المراقبة والملاحة الجوية للطائرات العابرة عبر مجال الخليج الجوي. كما تم تركيب منارات ملاحية حديثة وأجهزة اتصالات في هذا المركز.

وبعد هذا الحدث مباشرة، دخلت البحرين عصر الطائرات النفاثة بوصول طائرة من نوع "كومت" و طائرات "البوينج 707"، حيث خفضت هذه الطائرات عدد نقاط العبور (الترانزيت) التي كانت في السابق تقوم بها شركات الطيران خلال الرحلات الطويلة. وبالتالي أصبحت البحرين نقطة عبور رئيسية للطائرات النفاثة بين أوروبا والشرق الأقصى.

وتماشياً مع حركة عبور الطائرات التي شهدت نمو مطرد، تم افتتاح مبنى جديد للركاب في ديسمبر من العام 1961. كما شهدت هذه الحقبة تطور حركة الطيران بشكل كبير بسبب طائرات "البوينج 747"العملاقة التي تسع 400 مسافر.

حفاظاً على مكانة مطار البحرين الدولي كمركز إقليمي للطيران ونقطة رئيسية للعبور في المنطقة، قامت البحرين بتنفيذ خطة توسعة لتعزيز مقومات البحرين في قطاع النقل الجوي التجاري. وتم استكمال التوسعة في ديسمبر من العام 1971 بافتتاح مرافق الركاب الجديدة ومواقف جديدة للطائرات تستوعب 4 طائرات من طراز البوينج 747.

وقد جنى هذا الاستثمار ثماره بسرعة بالغة، حيث بدأت كل من الخطوط الجوية الأسترالية المعروفة باسم" شركة طيران كانتس"، والخطوط الجوية البريطانية والخطوط الجوية الهندية والخطوط الجوية السنغافورية في استخدام مطار البحرين الدولي، باعتباره مركز توقف وعبور رئيسي لطائرات البوينج 747 العملاقة. ولسوء الحظ، رغب كل الناقلين في جعل توقفات عبورهم في نفس الوقت تقريباً. وعلى الرغم من التوسعة الجديدة في مرافق المطار، فقد أصبحت هناك حاجة ملحة إلى تنفيذ توسعة أخرى للمطار لاستيعاب هذه الطفرة. وتم استكمال مرحلة جديدة من توسعة المطار في عام 1976، بعد مرور خمسة أعوام فقط من افتتاح مبنى الركاب الجديد.

وفي نفس العام، شهد مطار البحرين الدولي حدثاً مهماً آخراً وهو بدء تشغيل رحلات منتظمة بين البحرين ولندن على طائرة "الكونكورد" الأسرع من الصوت التابعة للخطوط الجوية البريطانية.

وخلال هذه الفترة، بدأت شركة طيران الخليج في توسعة شبكة خدماتها حيث تسلمت الشركة في عام 1976 أول طائرة من الحجم الكبير من نوع "ترايستار لوكهيد" بثلاثة محركات نفاثة تسع حوالي 300 مسافر. وتعد هذه المرحلة نقطة تحول في تاريخ شركة طيران الخليج، حيث تحولت من شركة طيران محلية وإقليمية إلى شركة طيران عالمية، مما عزز مكانة مطار البحرين الدولي باعتباره المركز الرئيسي لعملياتها.

وشهدت أوائل الثمانينات أكبر توسعة لمرافق المطار، وذلك تمهيدا لمشروع التوسعة والتجديد الرئيسي الذي تم استكماله في مارس من العام 1994. وتم تدشين مبنى المطار الجديد بتكلفة قدرها 100 مليون دولار أمريكي في عام 1994، وأصبحت السعة الاستيعابية لمطار البحرين تصل إلى 10 ملايين مسافر سنوياً.

Bookmark and Share